الصين وجدارها الأخضر العظيم نموذج تنموي مقترح وإمكانية تطبيقه في صحراء الأنبار
أ.د. سيف الدين عبد الرزاق سالم
مركز دراسات الصحراء – جامعة الأنبار
:المقدمة
يُعد مشروع الجدار الأخضر العظيم في الصين أحد أكبر المشاريع البيئية في العالم، وقد أُطلق عام 1978 لمكافحة التصحر والحد من زحف الرمال في شمال وغرب الصين، ولا سيما في صحراء تاكلاماكان وصحراء غوبي.
ويُعرف رسميًا باسم برنامج الحزام الواقي للغابات الثلاثي الشمال، وقد جاء استجابةً للتدهور البيئي والعواصف الغبارية التي كانت تؤثر في مدن كبرى مثل بكين.
:أهداف المشروع
يرتكز المشروع على مجموعة أهداف استراتيجية متكاملة، أبرزها:
- تثبيت الكثبان الرملية والحد من زحف الصحراء نحو الأراضي الزراعية.
- تقليل العواصف الترابية وتحسين جودة الهواء.
- حماية الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي.
- زيادة امتصاص الكربون والمساهمة في التخفيف من آثار التغير المناخي.
:نطاق المشروع وإنجازاته
- زراعة أكثر من 66 مليار شجرة منذ انطلاق المشروع.
- رفع نسبة الغطاء الغابي من نحو 12% في سبعينيات القرن الماضي إلى أكثر من 23% في السنوات الأخيرة.
- انخفاض ملحوظ في معدلات توسع التصحر وفق تقارير علمية ودراسات بيئية دولية.
- استمرار تنفيذ المشروع حتى عام 2050 ضمن رؤية طويلة الأمد.
:الأثر البيئي والمناخي
أسهم المشروع في تحقيق نتائج بيئية مهمة، منها:
- تحويل مساحات واسعة إلى مصارف كربونية طبيعية.
- تحسين المناخ المحلي في بعض المناطق نتيجة زيادة الغطاء النباتي.
- انخفاض عدد أيام العواصف الغبارية في المدن الشمالية.
- تعزيز التنوع الحيوي وإعادة تأهيل النظم البيئية المتدهورة.
:التحديات
رغم النجاحات المتحققة، واجه المشروع عددًا من التحديات، من أبرزها:
- الاعتماد على أنواع محدودة من الأشجار في بعض المناطق، مما يزيد من مخاطر الأمراض والآفات.
- الضغط على الموارد المائية الجوفية في البيئات الجافة.
- ارتفاع نسب نفوق الشتلات في المراحل الأولى.
- الحاجة إلى إدارة مستدامة طويلة الأمد لضمان استمرارية النتائج.
:الدروس المستفادة لمحافظة الأنبار
تمثل تجربة الصين نموذجًا قابلاً للتكييف مع خصوصية البيئة العراقية، خاصة في محافظة محافظة الأنبار، التي تعاني من تحديات التصحر والعواصف الغبارية. ويمكن لـ جامعة الأنبار عبر مركز دراسات الصحراء تبني مبادرة مماثلة ضمن إطار علمي وتطبيقي.
مجالات العمل المقترحة:
- إعداد برنامج بحثي وطني لمكافحة التصحر.
- إنشاء مشاتل متخصصة لإنتاج نباتات مقاومة للجفاف والملوحة.
- تطبيق تقنيات حصاد المياه لدعم التشجير.
- بناء شراكات أكاديمية دولية في مجال إدارة الأراضي الجافة.
- تحويل مشاريع التشجير إلى مختبرات تعليمية تطبيقية لطلبة الزراعة والبيئة والهندسة.
:مقترح مشروع الحزام الأخضر لمحافظة الأنبار
يقترح إطلاق مشروع الحزام الأخضر لمحافظة الأنبار كمبادرة بحثية تطبيقية تهدف إلى إنشاء أحزمة نباتية واقية حول المدن الصحراوية، للحد من العواصف الترابية وتحسين المناخ المحلي ودعم الاستقرار البيئي والاقتصادي.
المدن ذات الأولوية:
:مراحل التنفيذ
المرحلة الأولى (1–2 سنة)
- دراسات مسحية وخرائط بيئية.
- إنشاء المشاتل والبنية التحتية لحصاد المياه.
المرحلة الثانية (3–5 سنوات)
- بدء الزراعة وإنشاء الأحزمة الخضراء في المناطق ذات الأولوية.
المرحلة الثالثة (6–10 سنوات)
- التوسع الأفقي.
- تقييم الأثر البيئي والاقتصادي.
:المكونات التنفيذية
- إنشاء مشاتل مركزية لإنتاج الشتلات الصحراوية.
- زراعة أنواع ملائمة مثل الأثل، الأكاسيا، السدر، الغاف، والنباتات الرعوية المحلية.
- تنفيذ مشاريع حصاد مياه الأمطار وإنشاء خزانات ترابية صغيرة.
- استخدام تقنيات الري بالتنقيط منخفض الاستهلاك.
- تثبيت الكثبان الرملية بمصدات رياح طبيعية وميكانيكية.
- تنظيم الرعي وإشراك المجتمع المحلي في إدارة الموارد.
:الإطار المؤسسي المقترح
- محافظة الأنبار
- وزارة الزراعة – الهيئة العامة لمكافحة التصحر
- وزارة البيئة
- جامعة الأنبار / مركز دراسات الصحراء
- المنظمات الدولية الداعمة للبيئة
- القطاع الخاص ضمن برامج الاستثمار البيئي
:مؤشرات قياس الأداء
- زيادة نسبة الغطاء النباتي.
- انخفاض تكرار العواصف الغبارية.
- تحسن خصوبة التربة.
- استقرار المجتمعات الرعوية وتحسن دخلها.
- قياس كمية الكربون الممتص سنويًا.
:الخلاصة
تؤكد التجربة الصينية أن مكافحة التصحر مشروع استراتيجي قابل للتحقيق عند توفر التخطيط العلمي والإدارة المستدامة والدعم المؤسسي. ويمكن لمحافظة الأنبار، عبر جامعة الأنبار ومركز دراسات الصحراء، تبني نموذج عراقي متكامل للحزام الأخضر يسهم في تعزيز الأمن البيئي والمائي والغذائي، ويرسخ مكانة الجامعة كمؤسسة قيادية في إدارة النظم البيئية الجافة.
عدد المشاهدات : 104